أحمد بن أعثم الكوفي

511

الفتوح

ومحمد فاستشارهما في ذلك ، فقال عبد الله : أما أنا فأقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الدنيا وهو عنك راض وكذلك الخليفتان من بعده : أبو بكر وعمر ، وأما عثمان فإنه قتل وأنت عنه غائب ، وقد وسع الله عليك فاقعد في بيتك ، فإنك لا تطمع أن تكون خليفة ، وليس ينبغي لك أن تكون حاشية معاوية على دنيا قليلة ( 1 ) زائلة عن أهلها - والسلام - . وقال ابنه محمد : أما أنا فأقول : إنك شيخ قريش وصاحب أمرها ، وإن اضطرب هذا الامر وأنت عنه غائب ( 2 ) لصغر أمرك ويذهب قدرك ، فالحق بجماعة من أهل الشام فكن يدا من أيديها واطلب بدم عثمان بن عفان ، فلست أقل من معاوية . فأطرق عمرو ساعة ثم قال : أما أنت يا عبد الله فأشرت علي بما هو خير لي في دنياي وديني ، وأما أنت [ يا محمد ] فأشرت علي بما هو خير لي في دنياي ، وسأنظر في ذلك . فلما جن عليه الليل رفع صوته وجعل يقول شعرا ( 3 ) . قال : ثم أدنى عمرو غلاما يقال له وردان فقال له : ارحل يا وردان ! فعبى له الأثقال وترحل ، فقال له عمرو : حط يا وردان ! فحط ، ثم قال : ارحل يا وردان ! فرحل ، فلم يزل عمرو يقول : ارحل وحط ، فقال له وردان : أبا عبد الله ! ما شأنك ؟ أخولطت ؟ فقال عمرو : لا ، قال : فما قصتك ؟ مرة تقول : ارحل يا وردان ، ومرة تقول : حط يا وردان ! فقال عمرو : لا أدري ، قال وردان ( 4 ) : لكني أدري ، والله ! أنت رجل قد اعترضت الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلت : إن عليا معه آخرة بلا دنيا وفي الآخرة عوض من الدنيا ، ومعاوية معه دنيا بلا آخرة ، وليس في الدنيا عوض من الآخرة ، فأنت واقف بين أمرين لا تدري أتأخذ الدنيا أم الآخرة ، فقال عمرو : لله أبوك يا وردان ! ما أخطأت شيئا ، ولكن هات ما عندك من الرأي ، فقال وردان : عندي والله من الرأي أن تجلس في بيتك ، فإن الله تبارك وتعالى قد

--> ( 1 ) وقعة صفين ص 34 : دنيا قليلة ، أوشك أن تهلك فتشقى فيها . ( 2 ) وقعة صفين : وأنت فيه خامل . ( 3 ) الأبيات في تاريخ اليعقوبي 2 / 185 وقعة صفين ص 35 . ومطلعها : تطاول ليلى للهموم الطوارق * وخوف التي تجلو وجوه العواتق وان ابن هند سائلي أن أزوره * وتلك التي فيها بنات البوائق أتاه جرير من علي بخطة * أمرت عليه العيش مع كل ذائق ( 4 ) في الإمامة والسياسة 1 / 116 أما إنك إن شئت نبأتك بما في نفسك .